رجاء النقاش مع الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في الدوحة سنة 1980
فــي حــب رجـــاء الـنـقــاش
| ► | فبراير 2012 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | ||

رجاء النقاش مع الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في الدوحة سنة 1980
بقلم : خليل الفزيع
في الثامن من فبراير عام 2008 رحل الناقد الكبير رجاء النقاش، وبرحيله ترك فراغا كبيرا في واقع أدبنا العربي المعاصر، وخاصة في مجال النقد الأدبي الذي مارسه في وقت مبكر من حياته الأدبية، ومنذ ذلك الحين لفت إليه الأنظار بما أضافه للنقد العربي من سمات لم تتكرر لدى غيره من النقاد العرب، وفي الذكرى الثانية لوفاته نستعيد شيئا من ملامح تلك السيرة العطرة التي عاشها الراحل، وكانت حافلة بالمنجز الثقافي المتميز، وفي مواقع عمله المختلفة منح الكثير من العطاء الذي لا يحد، ولم يبخل على من عملوا معه بإتاحة الفرصة لهم لإبراز ما يملكون من مواهب، انطلاقا من إيمانه الكبير بأن الكفاءات القادرة على العطاء لا بد أن تمنح فرصتها لتطوير قدراتها الإبداعية، وانطلاقا من إيمانه الأكبر بالقومية العربية استطاع بتوجهه القومي النبيل أن يمد ظلاله إلى بلاد عربية أخرى لاكتشاف مواهب بعض أدبائها فقدم لقراء العربية أبا القاسم الشابي من تونس والطيب صالح من السودان وشعراء المقاومة من فلسطين وكلثم جبر من قطر وغيرهم.
وكما لم يبخل بإبداعه النقدي على أبناء العروبة، لم يبخل أيضا على البلاد العربية بالعمل فيها، وكان وجوده في قطر نقطة تحول في تاريخها الثقافي عندما تحولت مجلة "الدوحة" في عهده إلى منبر حر تبارى على منصته أدباء العروبة من كل الأقطار العربية، كما تحولت إلى مشروع ثقافي قومي لم يتكرر في أي بلد عربي آخر، وفي قطر قرب إليه كل الموهوبين ومن توسم فيهم القدرة على العطاء الأدبي والثقافي، وترك في نفوس من عرفوه ذكريات تعبق بالحميمية وتتميز بالشفافية وتتسم بالتعامل الإنساني الكريم، وهكذا كان رجاء النقاش.. كريما في أخلاقه كما كان كريما في عطائه.
وكان ذا ذائقة أدبية وفنية رائعة يستهويه الإبداع الجميل، ويكتشف بسهوله ما فيه من أسرار الإبداع وملامح الجمال، وبقدر ما كان يحترم أصحاب المواهب القادرة على العطاء الأدبي والفني.. لم ينظر إلى غيرهم من أصحاب المواهب المتواضعة بشيء من الاستخفاف أو عدم المبالاة، بل حرص على توجيههم التوجيه المناسب تاركا للزمن مهمة
بقلم الدكتور أحمد أبو مطر
يا إلهي كيف تمرّ بنا سنوات العمر من شقاء إلى قسوة، من غربة إلى منفى، ومن عاقل إلى مجنون. من يصدّق أن تستمر علاقة حميمة صادقة نقية بمجنون إلى ما يقارب الخمسين عاما، وتستمر أنت في التلهف على لقائه وهو يزداد عشقا وولها بالكلمة وجنونا بالكتاب والكتابة التي حفر له فيها اسما يتألق شعرا ونثرا وبحثا وتحقيقا. لم أكن أحلم أنا الشاب القادم من مخيم رفح للاجئين الفلسطينيين عام 1961 للالتحاق بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة القاهرة، أن التقي بشاب من عمري وربما نفس عام الولادة 1944 في حرم جامعة القاهرة العريقة، ليكون صديقي العربي المجنون الذي اسمه منذ سنوات عديدة ليس علم من نار بقدر ما هو نار أحرقت كل الصعوبات التي عشناها ليصبح هذا الاسم، الشاعر والباحث والكاتب المصري حسن توفيق الذي اشتهر في السنوات الأخيرة عبر كتابات معينة بصفة"مجنون العرب"، رغم أنني الوحيد المطلع على هذا الجنون منذ بداية لقائنا في جامعة القاهرة. أنا لا أصدق وربما المجنون ذاته أننا تتلمذنا ودرسنا تحت إشراف ورعاية عباقرة ذلك الزمن المصري النقي الرائع. أنا القادم من مخيم رفح وحسن توفيق القادم لا أدري من أية قرية أومدينة أوضيعة أوحارة مصرية، نجلس معا لنستمع ونصغي لعباقرة مصر وروادها أمثال المرحومين الدكاترة والأساتذة: سهير القلماوي، شوقي ضيف،عبد المحسن طه بدر،يوسف خليف،شكري عياد، علي الراعي،عبد المنعم تليمة، محمد زكي العشماوي وآخرون لن يتكرر كثيرا ظهور نفس العبقرية والتألق في مصر وغيرها من أقطار عربية. وفي نفس الوقت نسير ونشرب ونأكل مع شاعر (لا تصالح ولو منحوك الذهب) أمل دنقل، ونلتقي شعراء وصعاليك ذلك العصر أمثال سفير الفقراء والمحرومين أحمد فؤاد نجم الشاعر البندقية (هما مين واحنا مين، هما الأمراء والسلاطين، هما المال والحكام، واحنا الفقرا المحرومين) في مقهى ريش ومطعم فلفلة بميدان طلعت حرب في وسط القاهرة.
وتستمر علاقة المجنون والجنون
استمرت علاقتنا نصعد من عام جامعي إلى آخر وسط حياة مصاعب لبعضنا أقرب للشقاء خاصة بالنسبة لنا القادمون من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في القطاع، وسلاحنا هو وصية الآباء والأجداد (سلاح الفلسطيني شهادته). وتخرجنا معا نحمل درجة الليسانس في الأداب من قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة في مايو من عام 1965 و أكملنا معا الدراسات العليا، وكان قد سبقنا في إصدار أول دوواينه الشعرية (الدم في الحدائق) عام 1969، وكنا عندما نريد التشاقي معه نسأله (حسن إيه أخبار الدم في الجناين ؟). واستمر بعده في إصداراته العديدة حيث اشتهر من هذه الأعمال دراسته النقدية (اتجاهات الشعر الحر، 1970) و (تحق
رجاء النقاش .. بعد الرحيل
الأستاذ رجاء النقاش رحمه الله من الأسماء
التي ملأت سماء الأدب بوهجها الساطع، وقد
اختط لنفسه مدرسة في النقد أهم ملامحها
الوضوح وعدم اعتساف النص والرفق به واستجلاء
محاسنه، وقد دفعه إيمانه بعروبته إلى الإسهام
في تقديم أو اكتشاف أدباء عرب بارزين ومنهم
أبو القاسم الشابي من تونس والطيب صالح من
السودان وكلثم جبر من قطر وقد وضع مقارنة
ذكية بينها وبين الفرنسية فرانسواز ساغان
عندما كتب مقدمة مجموعتها القصصية "وجع
امرأة عربية" كما كان له دوره الرائد في تقديم
أدب المقاومة الفلسطينية، وكثيرا ما وجدت لدى
زيارتي له في منزله القديم بحي المهندسين في
القاهرة بعض أدباء العربية من الخليج أو البلدان
العربية الأخرى، وله أصدقاء في قطر يكنون له
الكثير من المحبة والتقدير، ولا عجب فقد عاش
بينهم ردحا من الزمن بلغ حوالي ثمان سنوات،
حيث أمضى العام الأول منها في تأسيس جريدة
الراية مع صديقه الأستاذ ناصر العثمان، وبعد
ذلك انتقل إلى مجلة "الدوحة" ليمضي فيها سبع
سنوات حافلة بالإنجازات الأدبية الرائعة، حيث
حققت مجلة "الدوحة" في عهده من الانتشار
والشهرة ما لم يتحقق لها قبله ولا بعده.
بعد رحيل العملاق رجاء النقاش في 8 فبراير
2008 ظهرت له ثلاثة كتب بإشراف رفيقة دربه
السيدة الفاضلة الدكتورة هانية عمر التي عكفت
على جمع بعض ما نشر له، وتولت شركة نهضة
مصر للطباعة والنشر والتوزيع مهمة طبع ونشر
هذه الكتب، وفي تصوري أنه لو جمع ما نشر
للراحل في الصحف لطباعته في كتب تختلف
عناوينها باختلاف مادتها، لأمكن جمع عشرات
الكتب من تلك المقالات والمقابلات التي ظهرت
في الصحف ولم تجمع في كتب.
قبل ما يقرب من ربع قرن كنت قد أجريت
مع الراحل رجاء النقاش مقابلة لإحدى المجلات
الثقافية، ولم يتيسر نشرها في حينها، وجميع
إجابات الأسئلة التي وجهتها إليه كتبها بخط يده،
وحينها لم يكن هناك "لابتوب" ولا "إيميل" فكانت
الكتابة بالقلم من الأمور المعتادة، ولأني احتفظت
بهذه المقابلة فقد سلمتها لصديقنا الأستاذ حسن
| رجاء النقاش يقدم قراءته الأخيرة للواقع الفلسطيني | ![]() |
![]() |
|
«الموت في قميص النوم».. يعالج ذاكرة العرب المثقوبة |
قدمتها الرائعة هانية عمر لأحبابه رغم غيابه
ثلاثة كتب جديدة للكاتب الكبير رجاء النقاش
بقلم : حسن توفيق
على الرغم من غيابه عن عالمنا منذ أكثر من سنة وبالتحديد منذ يوم الجمعة 8 فبراير - شباط 2008 ، فقد صدرت ثلاثة كتب جديدة للكاتب الكبير رجاء النقاش ، ويرجع الفضل فى صدور هذه الكتب الممتعة والمفيدة إلى الإنسانة الرائعة الدكتورة هانية عمر المارية شريكة رجاء النقاش خلال حياته ، والأمينة على ما خلفه وراءه من ثروة أدبية نفيسة وغالية
هل تنتحر اللغة العربية ؟ .. هذا عنوان الكتاب الأول، أما الثانى فيحمل عنوانا قد يبدو غريبا للوهلة الأولى ، فهذا العنوان هو - الموت فى قميص النوم : أوراق فلسطينية فى السياسة والأدب والفن ،بينما يحمل الكتاب الثالث عنوانا واضحا وهو ثلاث نساء من مصر ، وهن : تحية حليم والدكتورة بنت الشاطىء وأمينة السعيد ، وقد تصدرت كل كتاب من هذه الكتب مقدمة موجزة بعيدة عن الإطالة والاستف
ثروت عكاشة ينقذنا من فضيحة ثقافية
بقلم: رجاء النقاش
………………….
هذه قصه وقعت تفاصيلها في اواخر الخمسينات من القرن الماضي وكان موضوعها هو يحيي حقي, اديبنا الموهوب العظيم الذي نحتفل هذا العام بالذكري المئويه لميلاده سنه1905 وقد عرفنا يحيي حقي الذي رحل عنا سنه1992 رجلا مسالما لايعادي ولا يخاصم ولا يحب لنفسه ان يكون طرفا في اي صراعات او معارك, كما انه كان رجلا حريصا علي استقلاله, رافضا كل الرفض للاشتغال بالسياسه والدخول في امواجها الصعبه العاتيه, وقد اتخذ هذا الفنان الكبير لنفسه ما يشبه الشعار لحياته كلها يقول فيه: خليها علي الله, وهو الشعار الذي جعله عنوانا لقصه حياته او سيرته الذاتيه.
هذا الاديب الكبير المسالم, صاحب الصدر الواسع والاخلاق المتحضره العاليه, والنفس العفيفه التي ابتعدت به تماما عن اي منافسات من اي نوع, لم يسلم من الاذي الذي اصابه في اواخر الخمسينات من القرن الماضي. والقصه مولمه للنفس. والذي يرويها وكان شاهدا عليها هو الدكتور ثروت عكاشه احد رجال الصف الاول في قياده ثوره يوليو1952, وهو القائد الاكبر لهذه الثوره في ميدان الثقافه, فقد كان وزيرا للثقافه في المره الاولي التي تولي فيها هذا المنصب من نوفمبر سنه1958 الي سبتمبر سنه1962, ثم تولي نفس المنصب سنه1966 وحتي سنه1970. والمنصفون جميعا يشهدون للدكتور ثروت بانه موسس ثقافي عظيم, ويكفي ان اشير هنا الي عباره للشاعر والاديب الكبير عبدالرحمن الشرقاوي حيث يخاطب ثروت عكاشه فيقول عنه انه انسان رائع ومناضل جعل من ثقافتنا الوطنيه قلعه تحمي شرف الانسان وكبرياء القلب الذي يحلم بالمستقبل, والذين عاشوا مثلي في العصر الثقافي لثروت عكاشه يصدقون عباره الشرقاوي حرفا حرفا وكلمه كلمه. ولولا وجود ثروت عكاشه علي راس وزاره الثقافه في تلك الفتره, من1958 الي1962,
ولولا شجاعته ومعرفته بالواقع الثقافي وضميره الحي لوقعت فضيحه ثقافيه كان لابد ان يسجلها التاريخ بكثير من الاسف عليها والغضب منها, وكان لابد لهذه الفضيحه ان يكون لها صداها العالمي فتصبح فضيحه ثقافيه دوليه ومحليه في وقت واحد. وهذه القصه يسجلها الدكتور ثروت عكاشه في كتابه الشهير مذكراتي في السياسه والثقافه الطبعه الثالثه دار الشروق صفحه398 حيث يقول: لم يكن مضي علي تعييني وزيرا اكثر من شهرين عندما اتصل بي سكرتير رئيس الجمهوريه يدعوني الي لقاء عاجل مع الرئيس عبدالناصر الذي ما ان لقيته حتي طلب مني الاستماع الي شريط صوتي مسجل لمجموعه من الاشخاص انهالوا علي شخص الرئيس بالشتائم البذيئه ناعتين اياه باحط الصفات, وسالته مندهشا عمن يكونون, فذكر لي اسم احد الوزراء واسم اديب رائد مرموق, وانه استغني عن خدمات الوزير, وامر باعتقال الاديب الشيخ. ولما سالته عن الغرض من دعوتي للاستماع الي ذلك التسجيل, قال ان يحيي حقي رئيس مصلحه الفنون كان موجودا معهما ويتعين احالته الي المعاش, فبادرته بقولي: لكن الواضح من الشريط الصوتي انه لم يشارك في هذا السباب, وهو رجل مشهود له بعفه اللسان ودماثه الخلق, فضلا عن انه اديب مرموق ومحبوب, وتوقيع العقاب ظلما علي هذا النحو سوف يكون له اثر سييء في اوساط المثقفين وعامه الشعب علي السواء, فقال: ولكنه كان موجودا ولم يعترض, وهذا يكفي, فناشدته ان يترك الامر لي حتي اعالجه باسلوب مناسب, فوافق, مقتنعا, بعد الحاح.
وقد عالج الدكتور ثروت الموضوع بمنتهي الحكمه, حيث يقول: اسندت الي يحيي حقي الاشراف علي مركز تدريب العاملين بالوزاره, كما اسندت اليه بجوار ذلك منصبا مهما بدار الكتب, ثم رئاسه تحرير مجله المجله حتي لا يشعر بغربه عن عالمه في مجال الفكر والادب والفن, فقبل مني ما عرضته عليه بدماثته المعهوده, وطبعا كان ذلك كله بعد اعفائه من منصبه كمدير لمصلحه الفنون.
ثم يعلق الدكتور ثروت عكاشه علي ما حدث تعليقا مهما يقول فيه: اروي هذه الواقعه لاصل الي تاملي فيما وقع من مبدئه الي منتهاه, وانا بطبيعه الحال ارفض بذاءة القول للتعبير عن الخلاف في الراي, ولكني ادركت من ناحيه اخري ان التجسس علي الوزراء واحصاء تحركاتهم وسكناتهم واسرارهم الشخصيه كان امرا يتساوي مع التجسس علي المجرمين والخارجين
صداقة أدبية نادرة المثال
بقلم: رجاء النقاش
………………….
هذه قصة واقعية من قصص التاريخ الأدبي العربي, وهي قصة صداقة حميمة مخلصة بين أديبين كبيرين من الأدباء العرب المعروفين, ويمكننا أن نقول إنها قصة نادرة المثال, لأن الطرفين في هذه القصة كانا مستعدين للتضحية بنفسيهما في سبيل هذه الصداقة, ونحن نعرف بالطبع أن هناك من هو مستعد للموت في سبيل حبه وهوي قلبه, أما من يكون مستعدا للتضحية بحياته في سبيل صداقته, فهو نوع من الفرسان قليلا ما نجد له نموذجا حقيقيا في واقع الحياة.
وموضوع الصداقة في الشعر والأدب هو موضوع كريم ولطيف وعذب وفيه نوع من قوة العواطف الإنسانية الصافية, وكان من أشهر شعراء العربية القدماء الذين تغنوا بالصداقة شاعرنا الكبير أبو تمام (788 ـ846) وقد قال بعض المؤرخين والنقاد عنه إنه شاعر الصداقة, في الوقت الذي يوصف فيه آخرون بأنهم شعراء الحب, ومن أشهر ما قاله أبو تمام في موضوع الصداقة بين الأدباء, هذان البيتان اللذان قالهما في وداع صديقه الشاعر علي بن الجهم (804 ـ863) حين اضطر ابن الجهم إلي السفر بعيدا عن صديقه.. يقول أبو تمام:
إن يختلف ماء الوداد فماؤنا .:. عذب تحدَّر من غمام واحد
أو يفترق نسب يؤلف بيننا .:. أدب أقمناه مقام الوالد
وهذان البيتان هما من أجمل وأصدق ما قرأته في الصداقة الحميمة والقرابة الروحية بين اثنين, وفي هذين البيتين نقرأ كلمة يختلف, وهي في وصف الماء, ومعناها أن الماء يتغير طعمه ويفقد عذوبته, وهناك كلمة تحدر أيضا, وكلمة تحدر هي من الانحدار, وتعني هنا سقوط المطر ونزوله من السحاب إلي الأرض.
ونعود إلي قصة الصداقة التاريخية بين أديبين كبيرين هما عبد الله بن المقفع (724 ـ759) وعبد الحميد الكاتب الذي تم قتله سنة750, وليس معروفا تاريخ ميلاده بدقة, وقصة الصداقة بين الأديبين الكبيرين لها روايات متعددة, خاصة فيما يتصل بقتل عبد الحميد الكاتب, لكنني أري أن أقربها إلي الصواب هي الرواية التي نتحدث عنها استنادا إلي مرجع موثوق هو كتاب تاريخ الأدب العربي للأستاذ أحمد حسن الزيات.
كان عبد الحميد الكاتب وزيرا أو في مقام الوزير عند مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين, والمؤرخون يصفون هذا الخليفة بأنه كان من أعظم الخلفاء. وأنه كان من أكثرهم اجتهادا ويقظة وصبرا علي الشدائد, لكنه كان في الوقت نفسه من أسوأ الناس حظا, وكانت الظروف تميل عليه ولا تميل إليه, وقد حاول هذا الخليفة الكبير أن ينقذ الدولة الأموية من السقوط علي يد العباسيين, لكن الخليفة الأموي المجتهد لم يستطع النجاة من سوء حظه, وانفضاض الناس من حوله, واكتمال الأسباب لقيام دولة أخري علي أنقاض الدولة الأموية, وهي الدولة العباسية, وهكذا تجمعت بالتدريج ظروف قاهرة هيأت بوقوع المشهد التاريخي الكبير, وهو سقوط الأمويين, وقيام الدولة العباسية.
لم ينجح مروان بن محمد برغم قوة عزيمته وشدة اجتهاده في إنقاذ الدولة الأموية, لأن التاريخ يتحرك أحيانا بصورة أقوى من قدرة الأشخاص مهما كانوا عظماء, ولقد كان مروان بن محمد من عظماء التاريخ, وكان جادا ومثابرا وصبورا حتى لقد أطلق عليه بعض المؤرخين اسما طريفا هو مروان الحمار وأصبح مروان مشهورا بهذا الاسم, ولم يكن تشبيه هذا الخليفة بالحمار احتقارا له وتقليلا من شأنه, بل كان الأصل في هذا التشبيه هو أن مروان كان قادرا علي التحمل وكان يعمل كثيرا ولا يشكو, وكان صبورا علي الشدائد يحاول أن يعالجها بإرادة حديدية, ولم يكن مروان غبيا بل كان من أذكي الأذكياء, لكن الظروف كانت أقوى منه ومن أي رجل آخر في مكانه.
كان مروان قد اتخذ أديبا مشهورا شهرة واسعة في تاريخ الأدب العربي هو عبد الحميد الكاتب في منصب الكاتب وهو منصب يساوي منصب الوزير في مصطلحاتنا الحديثة, ولا تزال بعض الدول العربية تستخدم كلمة كاتب الدولة بدلا من كلمة الوزير, والكلمتان بمعني واحد. وعندما اقتربت جيوش العباسيين من الشام قال الخليفة الذي تقترب الهزيمة النهائية منه بخطي سريعة لوزيره عبد الحميد الكاتب اتركني واذهب للبحث عن نجاتك, ونتابع هذه القصة كما يرويها لنا الأديب العربي الكبير أحمد حسن الزيات في كتابه «تاريخ الأدب العربي» حيث يقول:
قال مروان لعبد الحميد: قد احتجت لأن تتحول إلي عدوي وتظهر الغدر بي, فإن إعجابهم بأدبك, وحاجتهم إلي كتابتك, تدفعهم إلي حسن الظن بك, فإن استطعت أن تنفعني في حياتي فسوف تفعل, وإلا لم تعجز عن حفظ حرمتي بعد مماتي, فقال عبد الحميد الكاتب للخليفة: إن الذي أشرت به علي أنفع الأمرين لك وأقبحهما بي, وليس عندي إلا الصبر, حتى يفتح الله عليك, أو أموت قتيلا معك, ثم أنشد عبد الحميد:
تُسِرُّ وفاءً تم أضمر غدرة .:. فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره
وبقي عبد الحميد الكاتب مع الخليفة مروان إلي أن تم قتل مروان في مصر, فلجأ عبد الحميد إلي صديقه ابن المقفع وكان يقيم في









